محمد حسن بن معصوم القزويني
58
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
ويؤكّد ذلك ما في الأخبار الكثيرة من إنّ للقرآن ظهرا وبطنا وأنّ أدنى ما للامام أن يفتي على سبعة وجوه ، والتتبّع في الأخبار والاطّلاع على طريقة العترة الطاهرة صلوات اللّه عليهم في محاوراتهم مع الناس وأجوبة مسائلهم يكشف عن ذلك ، كيف لا ، وكلام الحكيم لا بدّ وأن يكون على وجه ينتفع به كافة الناس على قدر عقولهم ومراتب فهمهم وإدراكهم ، فالصراط الذي أمر اللّه تعالى باتّباعه بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ . « 1 » وبالدعاء له في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . « 2 » لا يراد منه الجسر المحسوس الممدود على متن جهنّم . والذي يمكن حمله عليه لا ينافي حمله على هذا أيضا ، فأيّ مانع من إرادة الجميع حتّى يتطابق العقل والنقل . ثم إنّك قد عرفت انّ الاعتدال الحقيقي في الفضائل متعذّر لا يمكن وجدانه ولا الثبات عليه ، فلا يحكم بحصول فضيلة لصاحبها من حيث إنها حقيقية ، بل لكونها قريبة إليها ، ولا يمكن في حقه ما هو أقرب منها فهي الفضيلة الإضافية ، ولها عرض وسطها الحقيقية التي لا عرض لها وطرفا افراطها وتفريطها الخارجان عنها من الفضيلة الإضافية ، وكلّما قربت إلى الحقيقيّة كانت أكمل . ثمّ أنّ الرذائل وإن كانت غير متناهية على ما ذكرنا إلّا أنه ليس لجميعها ولا لأغلبها أسماء معيّنة ، وليس على صاحب الصناعة حصرها وضبطها ، بل عليه بيان القواعد الكلّية ، والمعيار فيها أنّ بإزاء كلّ فضيلة رذيلتان من طرف الافراط والتفريط ، فأجناسها ثمانية . اثنان منها بإزاء الحكمة ، وهما الجربزة أو السفسطة في الافراط ، أعني استعمال الفكر فيما لا ينبغي والبله أو الجهل في التفريط ، أعني تعطيل القوّة الفكرية وترك استعمالها فيما ينبغي فإن حقيقة الحكمة هي العلم بحقائق الموجودات على ما هي عليه ، فيتوقّف
--> ( 1 ) الأنعام : 153 . ( 2 ) الحمد : 6 .